ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
166
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 30 ] فيا طلاب الأعمال الصالحات جدّوا ؛ فإن الصدى ما يجليه إلا الصقل ، والصقل يجب أن يكون قوي الصنعة ويحك حكا جيدا حسنا مليحا ، لا يكون فيه أذى فإن الجوع هو الصقل للقلب والروح ما تتروض إلا بالجوع والمواصلات ، فلما كان هذا الوقت بقي الكسل يعطي والسيف جرب فما تبصر عين الاطلاع لعدم النور ، فالنور ما ضيعته إلى التكاثر والتكاتف على يبس الطبع الكزيز « 1 » ، فإذا حاكيت حديثك خرج منها ثارا وتقذف ، بقيت مرآة مصقولة ينتفع بها وتنتفع بها الناس فلا تغفل عنها ، واجعل بها علاجها تستريح ، وكلما حسست من النحافة أو الركاواة فاجليه جلاء الصدأ ، وامحيه محوا ، ولا تكن إلا على تجهيز كل يوم فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا بورك في يوم طلعت فيه الشمس ونحن لم نكن في زيادة من الأعمال الصالحة والبركات والخيرات الشامخات أحسن ممر وأكمل موطن ومستقر » « 2 » قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) [ الحجّ : 77 ] فالنائم عن الأوراد من غير إدراك القوم فعلان ، لأن النوم لا يصح ويحصل المستقر قرر فيه ملازم الأشهاد ومراقبة المشهود والورود والصدور والنور والبدور وطلوع الشمس والنجوم والرقوم والكواكب ، فالمبتدي يكون قوته الجوع ووطنه الخضوع ومطره الدموع ووطره الرجوع لا يحيف ولا يكون رجيف لا يكون لعّابا ولا عمدادا ولا تكدادا إنما يكون يصوم حتى يرق ويلين ، ويقوم حتى يهين ويلين ، وتدخل الرقة قلبه ويفتح مسامع لبه فيزول الوقر من صممه ، ويسمع بأذن وقلب كلام القرآن والمواعظ ، ومن أكل ونام ووقف دون البحر وما عام يخاف عليه من الغرق ومن البطالة والتلف لأن قلة العمل عماه وممرّ ضد دواءه ودواه وطلب الحمية وتصحيح الشربة فكيف يعقل الأزم عن فوائد الصحة ، فما هي بالأوراق ولا بالكتاب ، إنما هو بالأدب وعطاء من اللّه لمن أعطاه ، وأوهبه فاجعل قوتك في يدك لقمة واحدة أو جرعة جوع لك مع ملازمة عبادتك وإجهاد عنايتك . فما أسوأ حالك الحالك ألم ترق من حالك إلى مالك وإلا فأنت هالك ، يا سالك ضيق على نفسك وشيطانك المسالك تكن سالك ، فإن سألك عن مقامك
--> ( 1 ) الكزازة : اليبس والانقباض . ورجل كزّ : صلب ، قليل الخير والمواتاة . ( العين للفراهيدي ) . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده بلفظه والذي ورد : « إذا أتى علي يوم لم أزدد فيه خيرا يقربني إلى ربي ، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم » ( الكامل في ضعفاء الرجال لعبد اللّه الجرجاني [ 2 / 79 ] ) .